الشيخ محمد هادي معرفة
214
تلخيص التمهيد
السنن » قال : الغريب من الكلام إنّما هو الغامض البعيد من الفهم ، كما أنّ الغريب من الناس إنّما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل . والغريب من الكلام يقال به على وجهين : أحدهما : أن يراد به أنّه بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلّاعن بعد ومعاناة فكر . والوجه الآخر : أن يراد به كلام من بَعُدت به الدار من شواذّ قبائل العرب ، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربنا « 1 » . والغريب في القرآن إنّما هو من النوع الثاني ، ومن ثمَّ لم يُخلّ بفصاحته ، والقرآن لم يستعمل إلّاما تعارف استعماله عند العرب وتداولوه فيما بينهم ، ولكن في طبقة أعلى وأرفع من حدّ الابتذال العامي ، فلا استعمل الوحشي الغريب ولا العامي السخيف المرتذل « 2 » . على حدّ تعبير عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة « 3 » . قال التفتازاني : والغرابة كون الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى ، ولا مأنوسة الاستعمال ، فمنه ما يحتاج في معرفته إلى أن ينقر ويبحث عنه في كتب اللغة المبسوطة ، كتكأكأتم وافرنقعوا في قول عيسى بن عمر النحوي ، هاجت به مِرّةٌ وسقط من حماره فوثب إليه قوم يعصرون إبهامه ويؤذّنون في اذنه ، فأفلت من أيديهم وقال : « ما لكم تكأكأتم عليَّ كما تتكأكأون على ذي جنّة ، افرنقعوا عنّي ! » . فجعل الناس ينظرون إليه ويقول بعضهم لبعض : دعوه فإنّ شيطانه يتكلّم بالهندية ! « 4 » .
--> ( 1 ) . هامش غريب القرآن للطريحي ، المقدّمة : ه . ( 2 ) . كقول العامة : أيش ، بمعنى أي شيء . وانفسد بمعنى فسد . ( 3 ) . قال الجرجاني : وربما استسخف اللفظ بأمر يرجع إلى المعنى دون مجرد اللفظ ، كما يحكى من قول عبيد اللَّه بن زياد لمّا دهش : « افتحوا لي سيفي » ! وذلك أنّ الفتح خلاف الإغلاق ، فحقّه أن يتناول شيئاً هو في حكم المغلق المسدود ، وليس السيف بمسدود . وأقصى أحواله أن يكون في الغمد بمنزلة الثوب في العكم ( كالعدل : نمط تجعل المرأة فيه ذخيرتها . وبمعنى الجوالق ) والدرهم في الكيس والمتاع في الصندوق . والفتح في هذا الجنس يتعدى أبداً إلى الوعاء المسدود على الشيء الحاوي له ، لا إلى ما فيه . فلا يقال : افتح الثوب ( أسرار البلاغة : ص 3 - 4 ) . ( 4 ) . المطول طبعة إسلامبول : ص 18 . وراجع الفائق للزمخشري : ج 2 ص 241 نسب الجاحظ ذلك إلى أبي علقمة ، حدّث به ذلك في بعض طرقات البصرة . والمعنى مالكم اجتمعتم عليّ كما تجتمعون على مجنون ، تفرّقوا عنّي .